أبي المعالي القونوي

33

اعجاز البيان في تفسير أم القرآن

وجودنا فحسب ، بل من حيث اتّصاف أعياننا بالوجود ، وقيام الحياة بنا ، والعلم وارتفاع الموانع الحائلة بيننا وبين الشيء الذي نروم إدراكه ، بحيث يكون مستعدّا لأن يدرك ، فهذا أقلّ ما يتوقّف معرفتنا عليه ، وهذه جمعيّة كثرة وحقائق الأشياء في مقام تجرّدها وحدانيّة بسيطة ، والواحد والبسيط لا يدركه إلّا واحد وبسيط كما أومأت إليه من قبل ، وعلى ما سيوضّح سرّه عن قريب - إن شاء اللّه تعالى - فلم نعلم من الأشياء إلّا صفاتها وأعراضها من حيث هي صفات ولوازم لشيء مّا ، لا من حيث حقائقها المجرّدة ؛ إذ لو أدركنا شيئا من حيث حقيقته لا باعتبار صفة له أو خاصّة أو عارض أو لازم ، لجاز إدراك مثله ؛ فإنّ الحقائق من حيث هي حقائق متماثلة ، وما جاز على أحد من المثلين جاز على الآخر . والمعرفة الإجماليّة المتعلّقة بحقائق الأشياء لم تحصل إلّا بعد تعلّقها - من كونها متعيّنة - بما تعيّنت به من الصفات أو الخواصّ أو العوارض « 1 » كما عرّفنا الصفة - من حيث تعيّنها - بمفهوم كونها صفة لموصوف مّا ، فأمّا كنه الحقائق من حيث تجرّدها فالعلم بها متعذّر إلّا من الوجه الخاصّ بارتفاع حكم النسب والصفات الكونيّة التقييديّة من العارف حال تحقّقه بمقام « كنت سمعه وبصره » وبالمرتبة التي فوقها ، المجاورة لها ، المختصّة بقرب الفرائض ، كما سنومئ إلى سرّ ذلك - إن شاء اللّه تعالى - ولهذا السرّ - الذي نبّهت على بعض أحكامه - أسرار أخر غامضة جدّا يعسر تفهيمها وتوصيلها ، أحدها حكم تجلّي الحقّ الساري في حقائق الممكنات الذي أشار شيخنا الإمام الأكمل ( رضي اللّه عنه ) إلى خاصّة من خواصّه تتعلّق بما كنّا فيه وذلك في قصيدة الهائيّة « 2 » يناجي فيها ربّه يقول في أثنائها : ولست أدرك في شيء حقيقته * وكيف أدركه وأنتمو « 3 » فيه فلمّا وقف المؤهّلون للتلقّي من الجناب الإلهي المعتلي على مرتبة الأكوان والوسائط ، على هذه المقدّمات « 4 » والمنازل ، وتعدّوا بجذبات العناية الإلهيّة ما فيها من الحجب والمعاقد « 5 » ، شهدوا في أوّل أمرهم ببصائرهم أنّ صورة العالم مثال لعالم المعاني والحقائق ،

--> ( 1 ) . ق : اللوازم . ( 2 ) . ه : الإلهية . ( 3 ) . ق ، ه : أنتم . ( 4 ) . ق : المقامات . ( 5 ) . ق : المعاقل .